
كتب: معاوية أبوالريش
تواصل المهندس بدر الدين البطل مع المدير الفني للمنتخب الوطني السوداني جيمس كواسي أبياه، فجاءه الرد هادئاً في لفظه، لكنه صاخبٌ في دلالته: الاتحاد البوركيني لكرة القدم تواصل معه بجدية تامة لقيادة منتخب “الخيول”، وهو من جهته لا يزال يرى نفسه مدرباً للسودان — لكنه ينتظر ورقةً موقّعة لم تصله بعد.
لنتأمّل هذا المشهد بعيداً عن الانفعال.
رجلٌ قدِم إلى بلدٍ تمزّقه الحرب، وتعصف به الأزمات، وقبِل أن يعمل في ظروف لا يقبلها كثيرٌ من المدربين. أعطى، وخطّط، وبنى. وحين سألته بوركينا فاسو — دولةٌ مستقرة بكرةٍ في صعود — لم يتسرّع في القبول، بل قال: “أنا مدرب السودان، وأنتظر عقدي” هذا الموقف وحده يستحق أن يُقابَل بما يليق به من وضوح وتقدير.
غير أن الوضوح غائب، والتقدير معلّق مثل العقد تماماً.
الإشكالية هنا ليست مالية في جوهرها، وإن كانت الأرقام المتداولة – قرابة خمسين ألف دولار شهرياً – تمثّل تحدياً حقيقياً لاتحادٍ يعاني ضغوطاً متعددة. الإشكالية الأعمق هي غياب ثقافة الحسم. فالمؤسسات الرياضية الناجحة لا تتميز بوفرة مواردها دائماً، بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وإبلاغه بشفافية لجميع المعنيين. أما أن يظل مدرب المنتخب الأول في حالة ترقّب، لا يعرف إن كان سيكمل أم لا، فذلك نمطٌ إداري يُكلّف أكثر مما يوفّر.
والكلفة لا تُقاس بالدولارات وحدها.
محترفو الخارج يرصدون ما يجري بعيونٍ مهنية باردة. الكلام الحماسي عن الوطن والقميص يؤثّر في القلوب لكنه لا يلغي تجارب سابقة مريرة، ولا يُسكت تساؤلات منطقية عن التزامات لم تُوفَ وتذاكر تأخّرت وترتيبات جاءت متعثّرة. حين يشعر اللاعب أن استجابته للنداء الوطني لن تُقابَل بالاحترام المؤسسي الذي يستحقه، فإنه لا يتوقف عن الانتماء لوطنه، لكنه يبدأ في إعادة حساباته.
وهذا ما يحدث الآن، بصمت.
ما يجعل الأمر أكثر إيلاماً أن الأرضية كانت مهيّأة للبناء. أداء المنتخب في الفترة الأخيرة أظهر ملامح مشجعة، تنظيم أفضل، وانسجام أوضح، ولاعبون يمنحون أكثر مما أعطوه في مراحل سابقة. هذه ليست مصادفة، بل هي نتيجة عمل فني متراكم يحتاج إلى استمرارية لا إلى اهتزاز.
الاهتزاز الآن لن يعيد الأمور إلى ما قبل أبياه فحسب، بل قد يعيدها إلى ما هو أصعب: مرحلة فقدان الثقة الكاملة في جدية أي مشروع مقبل.
الخلاصة بسيطة وإن كانت ثقيلة:
الاتحاد السوداني لكرة القدم اليوم أمام خيارٍ واحد من اثنين – لا ثالث لهما، ولا مساحة بينهما للتسويف. إما أن يُكمل ما بدأه بعقدٍ واضح والتزامٍ مُحترم، وإما أن يُعلن بشجاعة عن توجه مختلف وفق رؤية معلنة. كلا الخيارين مقبول، وكلاهما يدل على مؤسسة تعرف ما تريد.
أما الخيار الثالث – الصمت، والانتظار، وإدارة الملفات بالتجاهل – فثمنه لن يظهر في سجلات الخسائر المالية، بل في شيء أصعب تعويضاً: ثقة الناس في أن ثمة مَن يأخذ هذا المنتخب بجدية حقيقية.
وبوركينا فاسو لن تنتظر طويلاً.




