
مشاهد بنفيكا لم تكن مجرد خسارة عابرة لريال مدريد، بل كانت مرآة قاسية عكست حقيقة واحدة لا يمكن الهروب منها: هذا الفريق، بكل نجومه وبريقه، يحتاج إلى قبضة قوية قبل أي أفكار تكتيكية. يحتاج إلى رجل لا يتردد في الصراخ بوجه النجم، ولا يخشى كسر الهيبة المصطنعة داخل غرفة الملابس. باختصار: يحتاج إلى جوزيه مورينيو.
الكرة الآن في ملعب فلورنتينو بيريز، بعد الرباعية التي تلقاها ريال مدريد في لشبونة، على يد مدرب يعرفه جيدًا… ويعرف كيف يهزّه في اللحظة المناسبة.
هدوء ما قبل العاصفة… ثم السقوط
بعد رحيل تشابي ألونسو، ظن كثيرون أن الفوضى هدأت، أو على الأقل دخلت مرحلة “السيطرة المؤقتة” مع قدوم ألفارو أربيلوا. مدرب شاب، ابن النادي، تحيط به نبوءات مستقبل مشرق في سانتياجو برنابيو.
البداية كانت صادمة بالخروج من كأس الملك أمام ألباسيتي، ثم تحسنت النتائج: انتصاران محليان، وسحق أوروبي لموناكو بسداسية. فجأة، بدأ الخطاب يتغير: “أربيلوا وجد الخلطة”، “السيطرة عادت”، “فلورنتينو تدخل وحذّر اللاعبين”.
لكن ريال مدريد لا يُقاس بمباريات عابرة. الامتحان الحقيقي كان في لشبونة، أمام بنفيكا، في مباراة فاصلة: إما عبور مباشر إلى دور الـ16، أو الوقوع في فخ الملحق المرهق.
النتيجة؟ خسارة 4-2… والسقوط كان مدويًا.
والاسم الذي وقف على الخط المقابل لم يكن عاديًا: جوزيه مورينيو.
دعك من لقطة الهدف… المشكلة أعمق
الجميع سيتذكر هدف الحارس أناتولي تروبين، الهدف الرابع الذي قتل آمال ريال مدريد. لقطة غريبة، قاسية، ومكلفة. لكن اختزال الأزمة فيها ظلم للحقيقة.
الحقيقة أن ريال مدريد، في تلك اللحظة، كان فريقًا تائهًا. يلعب بتسعة لاعبين بعد طرد راؤول أسينسيو ورودريجو، ومع ذلك لم تظهر أي روح جماعية. خمسة لاعبين فقط داخل منطقة الجزاء، لاعب واحد في الحائط، بينما يقف مبابي وفينيسيوس في الجهة الأخرى من الملعب، كأن الأمر لا يعنيهما.
ثمانية لاعبين من بنفيكا، بينهم الحارس، يهاجمون… والتفوق العددي يجعل الهدف شبه حتمي. لم يكن هذا خطأ فرديًا، بل انعكاسًا لفوضى ذهنية وغياب سلطة.
ثم جاءت مشاهد الاعتراض: بيلينجهام وأسـينسيو غير مقتنعين بالتبديل، أردا جولر يحتج علنًا. كل ذلك يؤكد أن غرفة الملابس ليست هادئة، وأن “المدرب المؤقت” لا يملك السيطرة الكافية.
أربيلوا، مع كامل الاحترام، لم يكن نجمًا كلاعب، ولا يمتلك الكاريزما المطلوبة لإدارة غرفة ملابس مليئة بالنجوم. لم يستطع أن يصرخ في مبابي أو فينيسيوس ليطلب منهما التراجع والدفاع. وهنا تحديدًا، يظهر الفارق بين مدرب… وزعيم.
مورينيو… لأن الفوضى لا تُدار بالابتسامات
جوزيه مورينيو لا يخشى الأسماء. هذه ليست جملة إنشائية، بل تاريخ موثق. الرجل الذي دخل في صدام مع إيكر كاسياس، واتهمه بالتسريب، لن يتردد لحظة أمام فينيسيوس أو مبابي.
مورينيو اصطدم ببوجبا، بهازارد، وبرونالدو نفسه. نعم، كريستيانو رونالدو.
قال عنه صراحة إنه لا يتقبل النقد، وكشف لوكا مودريتش في كتابه عن مشادة حادة بينهما كادت أن تتحول لاشتباك بالأيدي، بسبب واجب دفاعي لم ينفذه النجم البرتغالي.
هذه ليست قصصًا جانبية، بل دليل على فلسفة: لا أحد فوق الفريق.
قد لا يشبه مورينيو أنشيلوتي في هدوئه واحتوائه، لكنه يشبه المرحلة الحالية لريال مدريد. مرحلة تحتاج إلى صرامة، لا إلى المجاملات.
وماذا عن النتائج؟
نعم، مسيرة مورينيو تراجعت محليًا. آخر لقب دوري كبير يعود إلى 2015 مع تشيلسي. تنقل بين محطات صعبة، ولم ينجح دائمًا.
لكن في أوروبا؟
لا يزال رجل المواعيد الكبرى.
الدوري الأوروبي مع مانشستر يونايتد، ودوري المؤتمر مع روما، والآن يذكّر الجميع بنفسه في ليلة أوروبية كبيرة مع بنفيكا، أمام ناديه السابق.
مورينيو لا يُجيد العمل مع “المشاريع الصغيرة”. مكانه الطبيعي إما مع الكبار… أو في مواجهتهم. هكذا بدأ مسيرته، وهكذا صنع اسمه.
الخلاصة
ما حدث في لشبونة قد يكون أكثر من مجرد خسارة. قد يكون رسالة.
يورجن كلوب غير متاح، والمدربون الشباب قد يسقطون كما سقط تشابي ألونسو. مورينيو؟ قد لا يكون الحل المثالي على الورق، لكنه الحل الأنسب للواقع.
من صرخ في رونالدو… لن يخشى فينيسيوس.
والكرة الآن، فعلًا، في ملعب فلورنتينو بيريز


