
السيب – تقرير خاص
كتب: معاوية أبوالريش
مُني المنتخب الوطني السوداني بخسارة مؤلمة أمام نظيره العماني بهدفين نظيفين، في المواجهة الدولية الودية التي احتضنها ملعب نادي السيب الرياضي مساء اليوم، ضمن التحضيرات لمواجهة لبنان الحاسمة في التصفيات المؤهلة لكأس العرب المقررة مطلع ديسمبر المقبل.
“مسار المباراة: شوطان بوجهين متناقضين”
بدأت المباراة بإيقاع متوازن، حيث نجح المنتخبان في فرض رقابة دفاعية صارمة أفشلت محاولات الاختراق المتبادلة، وسيطر الحذر التكتيكي على أداء المنتخبين، مما أدى إلى ندرة الفرص الحقيقية وانتهاء الشوط الأول بالتعادل السلبي.
غير أن الصورة انقلبت تماماً بعد استئناف اللعب، حيث تمكن المنتخب العماني من فرض هيمنته على خط الوسط، مستغلاً التراجع البدني الملحوظ لدى العناصر السودانية. وأثمرت هذه السيطرة الكاملة على منطقة المناورة عن صناعة فرص خطيرة متعددة، نجح الأحمر العماني في ترجمة اثنتين منها إلى هدفين حسما نتيجة اللقاء لصالحه.
“عوامل الخسارة: الإرهاق البدني يطيح بالآمال”
تصدّر الإرهاق البدني قائمة الأسباب التي أدت إلى تراجع الأداء السوداني، حيث ظهرت آثاره واضحة على اللاعب أبو عاقلة عبدالله، الذي خاض مباراة مُرهقة في نصف نهائي كأس ليبيا مع الأهلي بنغازي قبل أيام قليلة من التحاقه بالمنتخب. وانعكست حالة الإجهاد سلباً على مستواه التكتيكي وقدرته على المساهمة الفعّالة في الشوط الثاني.
خروج محمد الرشيد يُفقد الوسط توازنه
شكّل استبدال اللاعب محمد الرشيد، الذي قرر المدرب كواسي أبياه إخراجه تحسباً لحصوله على البطاقة الصفراء الثانية، نقطة تحول سلبية في المباراة. فقد أدى سحبه من الملعب إلى اختلال التوازن في منطقة الوسط، وفتح المجال واسعاً أمام المنتخب العماني للسيطرة على إيقاع اللعب وصناعة الخطورة.
“العقم الهجومي: أزمة متجددة”
عانى الخط الأمامي السوداني من عزلة تامة، حيث لعب جون مانو وحيداً في المقدمة دون أن يحظى بالدعم الكافي أو الإمدادات المطلوبة من خط الوسط. وزاد من حدة الأزمة الأداء الباهت لكل من ياسر مزمل وموسى كانتي، اللذين فشلا في تقديم الإضافة المنشودة وظهرا بعيدين كل البعد عن مستواهما المعهود.
“الجدل الأكبر: غياب نجوم الهلال واتفاق مثير للتساؤلات”
فجّر غياب نجوم الهلال الدوليين عن معسكر المنتخب جدلاً واسعاً في الأوساط الرياضية، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية لهذه المباراة وتأثيرها المباشر على التصنيف الدولي للمنتخب السوداني. فالفوز كان ليمنح “صقور الجديان” نقاطاً ثمينة ترفع من ترتيبه في سلم التصنيف العالمي، وكان سيعزز الثقة قبل المواجهة الحاسمة ضد لبنان.
الحلول كانت متاحة بل وسهلة
كان من الممكن تفادي هذا السيناريو المؤسف بسهولة، إذ أتيحت الفرصة للاعبي الهلال للمشاركة في هذه المباراة والعودة في اليوم التالي مباشرة للالتحاق بمعسكر فريقهم في رواندا، دون الحاجة لخوض المواجهة الثانية أمام الأولمبي العماني. وكانت هناك فسحة زمنية واسعة تمتد لستة أيام كاملة قبل التزامات الهلال القادمة، مما يجعل الغياب غير مفهوم ولا مبرر من أي زاوية.
“اتفاق مُعيب يكرّس هيمنة الأندية على المنتخب”
بحسب المعلومات المتداولة، تم إبرام اتفاق بين الاتحاد السوداني لكرة القدم وإدارة نادي الهلال ينص على التحاق لاعبو الهلال الدوليين بالمنتخب بعد انتهاء مباراة الهلال الافتتاحية أمام مولودية الجزائر في دور المجموعات لدوري أبطال أفريقيا. هذا الاتفاق يدل على انحراف خطير عن الأولويات وذلك للاتي:
أولاً: هذا الاتفاق يمثل تنازلاً فاضحاً من الاتحاد السوداني لكرة القدم عن سلطته وسيادته في إدارة شؤون المنتخب الوطني، فمن غير المقبول أن يخضع الجهاز الفني للمنتخب لشروط وإملاءات نادٍ، مهما كانت مكانته أو إنجازاته. الاتحاد السوداني هو الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد مواعيد التحاق اللاعبين بالمعسكرات، وليس الأندية.
ثانياً: مخالفة صريحة للوائح الفيفا
وفقاً للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، فإن الأندية مُلزمة بتسريح لاعبيها الدوليين للانضمام إلى منتخباتهم الوطنية خلال فترات النوافذ الدولية المعتمدة، وذلك دون قيد أو شرط. أي اتفاق يقيّد هذا الحق أو يؤجله يُعتبر مخالفة واضحة للوائح الدولية.
ثالثاً: ترسيخ سابقة خطيرة
قبول الاتحاد السوداني بهذا الاتفاق يُرسّخ سابقة بالغة الخطورة، إذ سيفتح الباب أمام أندية أخرى لفرض شروطها الخاصة على المنتخب الوطني. فإذا قبلنا بأن يفرض الهلال شروطه، فبأي منطق نرفض مطالب المريخ ،أو أي نادٍ آخر؟ هذا سيؤدي حتماً إلى فوضى إدارية تعصف بمصداقية الاتحاد وتُضعف المنتخب.
رابعاً: إهدار فرصة ذهبية لتحسين التصنيف
كان من الممكن لهذه المباراة، في حال الفوز بها بتشكيلة كاملة القوة، أن ترفع من رصيد المنتخب في التصنيف الدولي. وهذا التصنيف ليس مجرد رقم معنوي، بل له تأثيرات عملية مباشرة على قرعات التصفيات المستقبلية وعلى قيمة المنتخب في المحافل الدولية. التفريط في هذه النقاط إرضاءً لنادٍ واحد يُعد قصر نظر استراتيجي.
خامساً: إضعاف موقف المدرب
هذا الاتفاق قيّد يد المدرب كواسي أبياه وحرمه من أبسط حقوقه في بناء منتخب متكامل وإجراء التجارب اللازمة. كيف يُتوقع من المدرب أن ينجح في مهمته وهو محروم من خدمات أفضل لاعبيه في مرحلة حاسمة من الإعداد؟ هذا ظلم واضح للجهاز الفني وللمنتخب برمته.
البديل الصحيح: الحزم لا المساومات
كان يجب على الاتحاد السوداني أن يتخذ موقفاً حازماً وواضحاً منذ البداية، بالاستناد إلى اللوائح الدولية التي تمنحه كامل الصلاحية. الحل كان بسيطاً: إلزام نادي الهلال بتسريح لاعبيه الدوليين فور بداية النافذة الدولية، مع إمكانية عودتهم بعد المباراة الأولى إذا استدعت الضرورة، ولكن بقرار من الاتحاد وليس بموجب اتفاق مُسبق يُقيّد سلطته.
“المبدأ الثابت: الوطن قبل النادي دون مساومة”
يجب أن تكون الأولوية المطلقة للمنتخب الوطني السوداني وليس للأندية بأي حال من الأحوال. فالمنتخب يمثل الهوية الوطنية ويحمل آمال وطموحات شعب بأكمله، في حين تبقى الأندية كيانات رياضية محلية مهما بلغت أهمية إنجازاتها القارية.
إن تقديم مصالح الأندية على المصلحة الوطنية العليا يُمثل خللاً خطيراً في منظومة الأولويات، ويحرم المنتخب من خدمات أفضل عناصره في اللحظات الحاسمة. لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تسمح لنادٍ رياضي، مهما عَظُم شأنه، بأن يملي شروطه على المنتخب الوطني.
نجاح الأندية في البطولات القارية أمر مُشرّف ومطلوب، لكنه لا يجب أبداً أن يأتي على حساب المنتخب الوطني. والحل ليس صعباً: تنسيق فعّال يضمن مشاركة اللاعبين في كلا المحفلين دون إضرار بأي منهما، مع تغليب كفة المنتخب عند التعارض الحتمي.

“قراءة فنية: دروس مستفادة رغم الخسارة”
اختبار حقيقي للبدائل
منحت هذه المواجهة الودية المدرب كواسي أبياه فرصة ثمينة لتقييم البدائل المتاحة واختبار قدراتهم تحت الضغط. ورغم النتيجة السلبية، إلا أن الجهاز الفني استطاع الوقوف على نقاط الضعف والقوة لدى العناصر المختلفة، مما سيساعد في اتخاذ القرارات الصائبة قبل مواجهة لبنان.
“تجربة عُمانية ثرية”
قدّم المنتخب العماني نموذجاً تكتيكياً متقدماً، خاصة في الشوط الثاني، حيث نجح في استغلال المساحات وتطبيق الضغط العالي. وتُعد هذه التجربة مفيدة للغاية لـ”صقور الجديان”، إذ ستواجه أسلوباً مشابهاً من المنتخب اللبناني في التصفيات المقبلة.
“الاحتياج لتطوير الأداء الهجومي”
كشفت المباراة عن حاجة ملحّة لتطوير التنسيق بين خطوط المنتخب، خاصة في ما يتعلق بإمداد المهاجمين بالكرات المناسبة. ويحتاج الجهاز الفني إلى العمل على تحسين الحركة بدون كرة وتفعيل دور الأطراف في خلق العمق الهجومي.
“التطلع للمستقبل: الثلاثاء موعد آخر للتعويض”
يستعد المنتخب الوطني السوداني لخوض تجربة ودية ثانية يوم الثلاثاء المقبل أمام المنتخب الأولمبي العماني، في إطار مواصلة التحضيرات الفنية للمواجهة الحاسمة ضد لبنان. ويُتوقع أن يُدخل المدرب كواسي أبياه تعديلات جذرية على التشكيلة الأساسية لمنح الفرصة لأكبر عدد ممكن من اللاعبين، ولتجنب الإجهاد الذي ظهر واضحاً في مباراة اليوم.
“دعوة للاتحاد السوداني: راجعوا أولوياتكم”
في ختام هذا التقرير، لا بد من توجيه رسالة واضحة إلى القائمين على الاتحاد السوداني لكرة القدم: إن الوقت قد حان لمراجعة جذرية للسياسات المتبعة في التعامل مع الأندية. لا يمكن الاستمرار في نهج المساومات والاتفاقات التي تُضعف المنتخب وتُقيّد حركة الجهاز الفني.
المنتخب الوطني فوق الجميع، وهذا ليس شعاراً رنّاناً بل مبدأ عمل يجب أن يُترجم على أرض الواقع. الشعب السوداني ينتظر منتخباً قوياً يمثله بكرامة في المحافل الدولية، ولن يتحقق ذلك إلا بوضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار آخر، مهما كانت الضغوط أو المغريات.




