” ظلم التحكيم وصمت صقور الجديان: عندما يجتمع انحياز الحكم مع قلة خبرة اللاعبين”

كتب: معاوية أبوالريش
شهدت مباراة السنغال والسودان في الجولة السابعة من التصفيات الأفريقية المؤهلة لكأس العالم 2026، والتي انتهت بفوز أسود الترنجا بهدفين نظيفين، جدلاً واسعاً حول مستوى التحكيم والقرارات المثيرة للجدل التي اتخذها الحكم الموريشيوسي باتريس ميلازار، والذي بدا واضحاً انحيازه لصالح المنتخب السنغالي في عدة مواقف حاسمة، بينما ظهر لاعبو المنتخب السوداني في صورة مؤسفة من ناحية عدم القدرة على التعامل مع هذا النوع من الحكام الأفارقة.
الهدف الأول: انحياز واضح وتجاهل صارخ للقوانين:
جاء الهدف الأول للمنتخب السنغالي في الدقيقة 14 عن طريق كاليدو كوليبالي، ولكن الطريقة التي تم تسجيله بها تثير علامات استفهام كبيرة حول عدالة التحكيم. فقد كان هناك احتكاك واضح وصريح من قبل المدافع السنغالي كوليبالي مع الحارس السوداني محمد النور أبوجا قبل أن تلج الكرة الشباك، حيث دفع كوليبالي الحارس السوداني بشكل واضح ومؤثر، مما منعه من التدخل لصد الكرة.
هذا الاحتكاك كان يستحق بلا أدنى شك احتساب خطأ لصالح الحارس السوداني وإلغاء الهدف، وفقاً لقوانين كرة القدم التي تحمي حراس المرمى من أي تدخل جسدي يمنعهم من أداء واجبهم. لكن الحكم الموريشيوسي تجاهل هذا الخطأ الواضح وسمح بتسجيل الهدف، في قرار يعكس إما عدم كفاءة واضحة أو انحياز مقصود للمنتخب السنغالي.
ركلة الجزاء المسلوبة: عندما يصبح الضحية جلاداً:
الموقف الثاني والأكثر إثارة للجدل جاء عندما تعرض المهاجم السوداني محمد عيسى للعرقلة داخل منطقة الجزاء من قبل الحارس السنغالي إدوارد ميندي. هذا الموقف كان واضحاً تماماً ويستحق احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب السوداني، خاصة وأن التدخل كان من الحارس نفسه داخل منطقة العمليات .
بدلاً من احتساب ركلة الجزاء الواضحة، قرر الحكم أن الخطأ من المهاجم السوداني، في قرار يفتقر إلى المنطق ويؤكد الانحياز الواضح. هذا القرار لا يمكن تفسيره إلا بكونه جزءاً من نمط متكرر من القرارات المنحازة ضد المنتخب السوداني.
التناقض الفاضح في معايير التحكيم:
ما يجعل أداء الحكم أكثر إثارة للجدل هو التناقض الواضح في تطبيق المعايير. فبينما تجاهل خطأ كوليبالي الواضح على الحارس السوداني في الهدف الأول، نجده يحتسب خطأ على المهاجم السوداني في موقف كان يستحق ركلة جزاء لصالحه. هذا التناقض يشير بوضوح إلى أن الحكم طبق معايير مختلفة على المنتخبين، مما يقوض مبدأ العدالة الأساسي في كرة القدم.
لو كان نفس الموقف في الهدف الأول قد حدث لصالح السودان، فمن المؤكد أن هذا الحكم كان سيحتسبه خطأ على الحارس ويلغي الهدف، وهذا ما يؤكد الانحياز الواضح في قراراته.
مسرحية ميندي والتضليل المدروس:
موقف آخر يستحق التوقف عنده هو ما فعله الحارس السنغالي إدوارد ميندي بعد ارتكابه خطأ واضح على المهاجم السوداني داخل منطقة الجزاء. أدرك ميندي على الفور أنه ارتكب مخالفة جسيمة تستحق ركلة جزاء، فلجأ إلى حيلة ذكية ومدروسة، ادعى الإصابة وبقي على الأرض لفترة طويلة، ودخل له الطاقم الطبي السنغالي، في محاولة لتضليل الحكم وإقناعه بأنه هو الضحية وأن المخالفة ارتُكبت في حقه وليس العكس. هذا السلوك يعكس الخبرة والدهاء الشديد الذي يتمتع به اللاعبون السنغاليون في قلب الحقائق والتأثير على قرارات الحكام لصالحهم.
في المقابل، لم يفعل الحارس السوداني أبوجا شيئاً مماثلاً رغم تعرضه للدفع الواضح من كوليبالي، وهذا يظهر الفارق الكبير في الخبرة والثقافة الكروية بين اللاعبين.
صمت مريب وغياب للاحتجاج:
أكثر ما يثير الاستغراب في هذه المباراة هو الصمت المريب للاعبي المنتخب السوداني وعدم احتجاجهم على القرارات الخاطئة للحكم. في كلا الموقفين المثيرين للجدل – الهدف الأول وركلة الجزاء المسلوبة – لم نشهد أي احتجاج يذكر من قبل لاعبي صقور الجديان، وكأنهم كانوا مجرد متفرجين على ما يحدث لهم.
هذا السلوك يعكس نقصاً واضحاً في الخبرة وثقافة كرة القدم الحديثة، حيث أصبح الاحتجاج على القرارات الخاطئة جزءاً لا يتجزأ من اللعبة، وأداة مهمة للضغط على الحكام وتذكيرهم بضرورة التركيز والعدالة.
قلة الخبرة في التعامل مع الحكام الأفارقة:
كشفت هذه المباراة عن مشكلة أعمق في المنتخب السوداني، وهي قلة خبرة اللاعبين في التعامل مع الحكام الأفارقة وأساليبهم في التحكيم. فالحكام الأفارقة، وخاصة من الدول الصغيرة مثل موريشيوس، غالباً ما يتأثرون بسمعة الفرق الكبيرة ويميلون لصالحها، وهذا أمر معروف في الأوساط الكروية الأفريقية.
اللاعبون السودانيون بحاجة إلى تعلم كيفية التعامل مع هذا النوع من التحديات، من خلال الاحتجاج المناسب والضغط على الحكم دون تجاوز الحدود المسموحة. هذه مهارة تحتاج إلى تطوير من خلال الخبرة والمشاركة في المزيد من المباريات الدولية.
الحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل:
يحتاج المنتخب السوداني إلى تطوير ثقافة جديدة في التعامل مع المواقف المشكوك فيها، سواء من ناحية الاحتجاج المناسب أو استخدام نفس الأساليب التي تستخدمها المنتخبات الأخرى مثل “التمثيل” المدروس والضغط النفسي على الحكام.
لا يجب أن يبقى لاعبو صقور الجديان مجرد ضحايا صامتين لقرارات حكام منحازين، بل عليهم تعلم كيفية الدفاع عن حقوقهم بالطرق المشروعة المتاحة في إطار اللعبة.
خلاصة المشهد:
مباراة السنغال والسودان كشفت بوضوح عن مشكلتين أساسيتين: الأولى هي وجود حكام أفارقة ينحازون للمنتخبات الأقوى سمعة، والثانية هي افتقار اللاعبين السودانيين لثقافة التعامل مع هذا النوع من التحديات.
النتيجة كانت ظلماً واضحاً للمنتخب السوداني، الذي سُلبت منه نقاط ثمينة في طريقه نحو حلم التأهل لكأس العالم 2026. لكن الأهم من ذلك هو الدروس المستفادة، والحاجة إلى إعداد اللاعبين نفسياً وثقافياً للتعامل مع مثل هذه المواقف في المستقبل.
فكرة القدم الحديثة لا تقتصر على المهارات الفنية والبدنية فحسب، بل تشمل أيضاً الخبث الكروي و الذكاء التكتيكي والنفسي في التعامل مع جميع جوانب اللعبة، بما في ذلك التحكيم وضغوطه.



