مقالات

” الأظهرة المتقدمة والدفاع في الميزان: قراءة في نهج زينباور التكتيكي “

المستشار :معاوية أبوالريش

حين أعلن الهلال في أغسطس الماضي تعاقده مع الألماني جوزيف زينباور لموسمين، خلفاً للروماني ريجكامف ، كان الرهان معقوداً على مدرب خبر الكرة العربية والأفريقية، من الشبيبة والوحدة إلى الرجاء وأورلاندو بايرتس. وما هي إلا أسابيع حتى تبدّت ملامح مشروعه: فريقٌ يرى في الهجوم سبيلاً إلى الأمان، فيدفع بأظهرته إلى أقصى الملعب، ويُدخل جناحيه نحو العمق، حتى يزدحم الثلث الأخير بالمهاجمين.

“هيكلٌ على الورق وآخر في الميدان”
يميل زينباور في الأصل إلى رسم 4-2-3-1، وبرباعي دفاعي بدأ الهلال أمام سيداما بونا: ياسر عوض وبابي ديارا ومصطفى كرشوم وإرنست لوزولو. غير أن هذا الشكل يتبدل بمجرد أن يمتلك الفريق الكرة، إذ يتقدم الظهيران إلى خط الوسط وما بعده، ويدخل الجناحان إلى المساحات الداخلية، فيتحول الفريق إلى هيكلٍ يقارب 2-4-4، بل 2-2-6 في لحظات الذروة. فالهلال لا يلعب 4-2-3-1 بقدر ما يلعب بقلبي دفاع ومحورين في الخلف، وستة لاعبين في الأمام.
“منطق الفكرة وبهاؤها”
ليس هذا اندفاعاً أعمى، بل منطقٌ مرسوم. فحين يلتقي الجناحان في العمق بالمهاجم وصانع اللعب تتكوّن كتلةٌ متقاربة تتعدد فيها خيارات التمرير القصير ويعسر على الخصم مراقبة الجميع. وفي المقابل يتكفل الظهيران بالعرض، فيمتدان على الخط ويشدّان دفاع المنافس إلى الأطراف، فتنفتح الممرات في الوسط. هي ازدواجيةٌ مقصودة: عمقٌ يختنق به الخصم، وعرضٌ يمدّد له الملعب، فيُرغَم على الاختيار بين حماية الوسط وترك الأطراف.
وقد أثمرت الفكرة في الدورين التمهيديين: سبعة أهداف، وشباكٌ نظيفة أمام إيغل نوار البوروندي وسيداما بونا الإثيوبي، وتأهلٌ على الأخير بمجموع 4-0. أرقامٌ لا تُهمل، وإن رأى بعض المحللين أن الهلال لم يصطدم بعدُ بفريقٍ كبير.
“بناء اللعب: لماذا القدم اليسرى؟”
يبدأ البناء من قلبي الدفاع، وهذا يستلزم مدافعاً يحسن التمرير تحت الضغط. ومن هنا يُفهم سعي زينباور إلى مدافعٍ أيسر القدم. فقلب الدفاع الأيسر يستلم الكرة بقدمه الطبيعية، فتنفتح له زاوية التمرير نحو الظهير الأيسر المتقدم دون أن يلتفت بجسده، وتخرج الكرة أسرع ممن يضطر إلى إعادة تهيئتها. وهو كذلك سندٌ للظهير المتقدم وحلقة وصلٍ بين بناء اللعب ومنطقة الخطر. أما المحوران فتتحول وظيفتهما من مجرد حاجزٍ دفاعي إلى جسرٍ بين الخلف والأمام.
وهذا، في تقديري، ما يفسّر تجربة محمد راوا، أيسر القدم، في قلب الدفاع أمام مارينز في الدوري الرواندي. كانت تجربةً مشروعة في مباراة لا تحمل ثقل الاستحقاق القاري، فالمدرب يجرّب حيث تقلّ كلفة الخطأ. لكن نتيجتها، ثلاثيةٌ نظيفة، تقول إن الفكرة لم تنضج بعد، وإن تدوير اللاعبين بين المراكز لا يغني عن تنظيمٍ دفاعي متماسك. فالمدافع لا يُصنع بقدمه وحدها، بل بقراءته للعب وتفاهمه مع من حوله.
“الوجه الآخر للعملة: أزمة الدفاع الاحتياطي”
لكل جرأةٍ ثمن، وثمن هذه الطريقة يختصره مصطلحٌ فني هو «الدفاع الاحتياطي»، أي عدد اللاعبين المتمركزين خلف الكرة لحظة فقدانها. وفي نهج زينباور يتقلص هذا العدد إلى لاعبين أو ثلاثة. فإذا ضاعت الكرة والأظهرة في منتصف ملعب الخصم، لم يبقَ أمام الحارس سوى كرشوم وديارا، وأمامهما فضاءٌ مفتوح تكفي تمريرة واحدة لتحويله إلى كارثة.
وتتجلى المشكلة في ثلاث نقاط. أولاها المساحة خلف الظهيرين، وهي الممر المفضل لأي مرتدة سريعة. وثانيتها عبء المحورين، فهما مطالبان بتغطية عرض الملعب كله تقريباً حين يفقد الفريق الكرة وهو متقدم، وكل تأخرٍ في العودة يضاعف المساحة. وثالثتها غياب الضغط المعاكس المنظم، فإن لم تُستعد الكرة في ثوانٍ معدودة تحول الهجوم إلى ثغرة.
والمفارقة أن هذا الأسلوب لا يدفع ثمنه الضعفاء، بل الأقوياء. فخصوم التمهيدي لا يملكون من الجودة ما يستثمر المساحات، أما المجموعات ففيها فرقٌ ترى في ظهر الأظهرة هديةً تنتظرها.
“درس قريب من الذاكرة”
ولا حاجة إلى الذهاب بعيداً لفهم كلفة هذه المخاطرة. ففي المباراة الودية الأولى أمام الأهلي طرابلس الليبي، التي انتهت بهدفٍ نظيف للأهلي، واجه الهلال فريقاً يملك لاعبين على قدرٍ عالٍ من الجودة الفنية، فكان ذلك أول اختبارٍ حقيقي لنهج زينباور. وفي هدف المباراة الوحيد اخترقت تمريرةٌ واحدة خطي الهلال، فانفرد المهاجم الليبي بالحارس وجهاً لوجه وسجّل. هو مشهد كاشف لما يعنيه هذا الأسلوب حين يلقى خصماً يعرف كيف يعاقب. وإذا كان ذلك قد حدث في مباراة ودية، فما الظن بمباراةٍ رسمية أمام فريقٍ بحجم بيراميدز أو المغرب الفاسي؟
“هل هضم اللاعبون الطريقة؟”
الجواب الأمين: ليس بعد. فالفريق يؤدي الشق الهجومي بحماسة، أما الشق الأشق، وهو التراجع الجماعي السريع عند فقدان الكرة، فيحتاج إلى انضباطٍ لا يُكتسب في أسابيع. وهذه الطريقة لا تحتمل تأخر لاعبٍ واحد، لأن تأخره يعني مساحةً لا يسدّها أحد. والفارق بين فريقٍ يطبّق الفكرة وفريقٍ يهضمها أن الثاني يعرف متى يتقدم ومتى يتريث دون أن يُملى عليه من خارج الخط.
“كيف يُصلَح الخلل دون التخلي عن الفلسفة؟”
لا يدعو التحليل إلى هدم الفكرة، بل إلى ضبطها. وللضبط صورٌ عدة. أن يتقدم أحد الظهيرين ويدخل الآخر إلى الوسط ليكوّن ثلاثياً مع القلبين عند الاستحواذ، فيقل الخطر وتزداد كثافة التمرير. أو أن تُحدَّد جهة التقدم بحسب نقطة قوة الخصم، فلا يندفع الظهيران معاً. أو أن يُعتمد ضغطٌ معاكس محدد بزمن، نحو خمس ثوانٍ لاستعادة الكرة، وإلا تراجع الجميع إلى كتلةٍ منظمة. ولا غنى كذلك عن عنصر السرعة في قلب الدفاع، لأن الخط المتقدم يحتاج إلى مدافعٍ يقوى على الركض للخلف في المواجهات المباشرة.
“الامتحان الأكبر”
أوقعت القرعة الهلال في المجموعة الرابعة إلى جانب بيراميدز المصري، بطل نسخة 2024-2025، وحوريا كوناكري الغيني، والمغرب الفاسي. وهي فرق تُجيد الانتظار والانقضاض في لحظته، وتملك من النضج التكتيكي ما يمكّنها من قراءة المساحة قبل أن تُفتح. وهنا سيُحكم على مشروع زينباور. ومن المؤشرات التي ينبغي أن يتابعها المحلل في هذه المباريات: عدد المرتدات التي يبلغ بها الخصم منطقة الجزاء، وموقع الظهيرين لحظة فقدان الكرة، وسرعة عودة المحورين. فهذه الثلاثة تكشف إن كان الهلال يطوّر نهجه أم يكرر خطأه.
وخلاصة القول إن على زينباور أن يحتفظ بفلسفته ويضبط جرعتها. فالجرأة فضيلة، لكنها تنقلب تهوراً إذا فارقها الحساب، والقوة الحقيقية لمدرب الكبار أن يعرف متى يُلجم جموح فريقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى