كتب: معاوية أبوالريش
في عالم كرة القدم الأفريقية، ثمة أسماء تتصدر الواجهة، وأخرى تصنع القرار من وراء الستار. غير أن فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بات يجمع الأمرين معاً ، فنفوذه لم يعد سراً يُهمس به في الكواليس، بل بات يُفصح عنه بلسانه هو، أمام الكاميرات، دون مواربة أو خشية. وخير شاهد على ذلك التسجيل المرفق بهذا المقال، الذي يحمل صوت لقجع وصورته ما يكشف بجلاء حجم نفوذه وسطوته داخل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، ويُغني عن كل تعليق.
أولاً: اتصال هاتفي غيَّر مسار نتيجة نهائي كأس دوري أبطال إفريقيا ٢٠١٩م .
في تسجيل مصوَّر متداول على نطاق واسع، يكشف لقجع بنفسه عن واقعة بالغة الدلالة، تعود إلى نهائي دوري أبطال أفريقيا نسخة 2019، الذي جمع الوداد المغربي بالترجي الرياضي التونسي على ملعب رادس بتونس العاصمة. كانت المباراة تسير في مسار مثير حين امتنع الوداد عن استكمال اللقاء احتجاجاً على قرارات تحكيمية، فأعلن الحكم فوز الترجي بحكم انسحاب الوداد.
لم يمضِ وقت طويل على صافرة النهاية حتى كان لقجع يتصل هاتفياً برئيس الكاف آنذاك، الموريتاني أحمد أحمد، مُبلِّغاً إياه بأن ما جرى “غير مقبول”، ومُوجِّهاً إليه تحذيراً لا يقبل التأويل: “إن لم يجتمع المكتب التنفيذي للكاف و يتخذ قراراً في هذه المسألة، فاعتبرني مستقيلاً من الكاف”
التهديد أثمر. فبعد أيام، أصدر المكتب التنفيذي للكاف قراراً بإعادة المباراة بين الفريقين. غير أن الترجي التونسي لم يقبل هذا القرار، فطعن فيه أمام محكمة التحكيم الرياضية الدولية “تاس”، التي أصدرت حكمها بإلغاء قرار الكاف، وأعلنت الترجي بطلاً رسمياً لدوري أبطال أفريقيا 2019. لكن ما لا يمكن محوه هو المشهد الذي سبق ذلك كله: رجل واحد، بمكالمة هاتفية واحدة، أعاد صياغة قرار الاتحاد القاري بأسره.
ثانياً: الموساوي.. رفع إيقاف في أقل من 48 ساعة
الواقعة الأولى كانت كاشفة، لكنها لم تكن الأخيرة. فما جرى قبل أسابيع قليلة في ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا الحالي بين نهضة بركان المغربي والهلال السوداني جاء ليُعيد طرح التساؤلات ذاتها بصورة أكثر إلحاحاً.
القصة تبدأ في الرابع والعشرين من يناير 2026، حين خضع لاعب نهضة بركان حمزة الموساوي لفحص مكافحة المنشطات خلال مباراة فريقه أمام بيراميدز المصري في دور المجموعات. كشفت نتائج الفحص عن وجود مادة محظورة في عينته، فصدر قرار بإيقافه ثلاثين يوماً عن ممارسة أي نشاط كروي.
ما يزيد الأمر تعقيداً أن اللاعب لم يتخذ موقف الإنكار، إذ أُخطر رسمياً بنتيجة التحليل الإيجابية، ثم تنازل عن حقه في تحليل العينة “B”، وهو ما يُعدّ وفق لوائح الفيفا لمكافحة المنشطات إقراراً صريحاً بصحة نتيجة العينة الأولى، دون أن يُقدِّم أي استثناء طبي أو مبرر قانوني لاستخدام المادة المحظورة.
رغم ذلك كله، وفي مشهد لافت، رُفع الإيقاف بصورة مفاجئة قُبيل مواجهة الهلال مباشرة، مما أتاح للموساوي المشاركة في اللقاءين، بل كان له دور محوري إذ صنع ركلة الجزاء التي أسفرت عن هدف التعادل لصالح بركان في مباراة الذهاب .
في المقابل، حاول المحيطون بنادي نهضة بركان تقديم رواية مغايرة، إذ أشارت إدارة النادي إلى أن الملف مرتبط بتناول اللاعب دواءً للحساسية يحتوي على مادة “كورتيكويد”، وأن التحقيق فُتح دون أن يُشكِّل ذلك مخالفة مؤكدة. غير أن هذه الرواية تصطدم بحقيقة صلبة: اللاعب لم يُقدِّم أي استثناء طبي مسبق، وهو الإجراء الوحيد المعترف به دولياً لتبرير تناول مثل هذه المواد.
ثالثاً: نمط متكرر يستحق التأمل
بين واقعة 2019 وواقعة 2026، ثمة خيط رابط لا يمكن إغفاله. في الأولى، تصل مكالمة هاتفية فيتحرك المكتب التنفيذي لأعرق هيئة كروية أفريقية. وفي الثانية، يُرفع إيقاف موثَّق وثبتت وقائعه، في غضون ساعات معدودة، قُبيل مواجهة فارقة في دوري الأبطال.
لقجع ليس مجرد رئيس لاتحاد وطني. فهو يشغل في الوقت ذاته مواقع في الهياكل القارية للكاف، ويمتلك شبكة علاقات يُقرّ هو نفسه بأنها تمتد إلى أعلى مستويات القرار في الاتحاد الأفريقي. وهذا النفوذ لا يُعلَن عنه في البيانات الرسمية، بل يتسرب عبر التصريحات والاعترافات التي تصدر في لحظات الثقة أمام الكاميرات.
سؤال الحوكمة الغائبة
حين يُصرِّح مسؤول رياضي رفيع بأنه هدَّد رئيس الكاف بالاستقالة فاستجاب له، وحين يُرفع إيقاف ثابت الوقائع في أقل من 48 ساعة لإتاحة مشاركة لاعب بعينه في مباراة مصيرية، فإن الأمر يتجاوز حدود المصادفة إلى ما يستوجب المساءلة.
الكرة الأفريقية تستحق حوكمة رياضية مؤسسية تقوم على القانون لا على الاتصالات، وعلى معايير موحدة لا على اعتبارات العلاقات. وما لم تُطرح هذه الأسئلة بجرأة وصراحة، فإن الاتحاد الأفريقي سيظل ميداناً للنفوذ الشخصي، لا هيئةً مستقلة ترعى مصالح الكرة الأفريقية بمفهومها الأشمل.
شاهد بنفسك تصريحات فوزي لقجع بصوته وصورته، وهو يكشف عن نفوذه داخل الكاف دون مواربة.


