
لم تكن خسارة فرنسا أمام إسبانيا بنتيجة (2-0) في نصف نهائي كأس العالم 2026 مجرد خروج من البطولة، بل كانت مباراة كشفت الكثير من الحقائق، وأكدت أن المشروع الإسباني وصل إلى مرحلة النضج، بينما دخل المنتخب الفرنسي مرحلة مراجعة شاملة قد تنتهي برحيل المدرب ديدييه ديشامب.
المثير أن الانتقادات لم تأتِ من الجماهير فقط، بل من صحيفة ليكيب الفرنسية، التي منحت معظم نجوم “الديوك” تقييمات صادمة، في رسالة واضحة بأن المشكلة لم تكن في النتيجة فقط، بل في الأداء الفني والتكتيكي.
أولًا… كيف حسمت إسبانيا المباراة؟
لويس دي لا فوينتي لم ينتصر بالأسماء، بل انتصر بالمنظومة.
منذ الدقيقة الأولى أغلق المساحات، وفرض ضغطًا عاليًا، وسيطر على وسط الملعب بقيادة رودري وفابيان رويز وداني أولمو، فعزل تمامًا كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، وأجبر فرنسا على اللعب بالطريقة التي يريدها المنتخب الإسباني.
ورغم أن لامين يامال لم يقدم أفضل مستوياته، فإن تحركاته صنعت الفارق، بعدما تسبب في ركلة الجزاء التي افتتح منها ميكيل أويارزابال التسجيل، قبل أن يضيف بيدرو بورو الهدف الثاني، ليؤكد التفوق الإسباني.
الأرقام تلخص كل شيء؛ فرنسا سجلت 16 هدفًا في البطولة، لكنها أمام إسبانيا فقدت خطورتها بالكامل، لأن “لاروخا” نجح في إغلاق جميع المنافذ.
ثانيًا… أين خسر ديشامب المباراة؟
الخسارة بدأت من وسط الملعب.
قرار إشراك أوريلين تشواميني بدلًا من مانو كوني أفقد فرنسا الحيوية والضغط والقدرة على افتكاك الكرة، فسيطر الإسبان على الاستحواذ والإيقاع، ولم تجد فرنسا أي حلول لاستعادة السيطرة.
الهجوم الفرنسي اختفى تمامًا.
مبابي بدا معزولًا، وديمبيلي خرج من المباراة مبكرًا، بينما قدم مايكل أوليسيه واحدة من أسوأ مبارياته، بعدما فقد دقة التمرير والمراوغة، ولجأ إلى الالتحامات البدنية التي لا تناسب أسلوبه، وكاد يتعرض للطرد بعد تدخله العنيف على فابيان رويز.
أما دفاعيًا، فقد كان لوكاس ديني الحلقة الأضعف، بعدما تسبب في ركلة الجزاء نتيجة سوء تقدير، بينما حاول كوندي وأوباميكانو الصمود، لكن خسارة معركة الوسط وضعت الدفاع تحت ضغط متواصل.
ثالثًا… ليكيب تصدر أحكامًا قاسية
صحيفة ليكيب لم تُجامل أحدًا.
منحت لوكاس ديني تقييم 2 من 10 بعد تسببه في ركلة الجزاء وكثرة أخطائه.
ونال عثمان ديمبيلي ومايكل أوليسيه التقييم نفسه، بعدما اعتبرت الصحيفة أن ديمبيلي ارتكب كل شيء بصورة خاطئة تقريبًا، بينما اختفى أوليسيه تمامًا بعد المستويات الكبيرة التي قدمها في الأدوار السابقة.
أما كيليان مبابي، فحصل على 3 من 10، بعدما وصفته الصحيفة بأنه كان معزولًا وحاول القيام بكل شيء بمفرده دون نجاح.
المثير أن أعلى تقييم في المنتخب الفرنسي لم يتجاوز 5 من 10، وكان من نصيب جول كوندي ودايوت أوباميكانو وأدريان رابيو، الذي أشادت الصحيفة بأدواره الدفاعية رغم خروجه بين الشوطين.
حتى ديدييه ديشامب لم يسلم من الانتقادات، إذ منحته الصحيفة 3 من 10، معتبرة أن اختياراته لم تنجح، وأن تمسكه بالأسماء المعتادة وعدم إشراك ديزيريه دوي منذ البداية كان من أبرز أسباب السقوط.
رابعًا… هل انتهت مدرسة ديشامب؟
ديشامب يبقى أحد أعظم مدربي فرنسا، بعدما قاد المنتخب للتتويج بكأس العالم 2018 وبلوغ نهائي مونديال 2022.
لكن كرة القدم تتطور بسرعة.
اليوم لم يعد الاعتماد على المهارات الفردية وحدها كافيًا، بل أصبحت المنظومة الجماعية والتفاصيل التكتيكية هي التي تصنع الفارق.
ديشامب امتلك كتيبة من النجوم، لكنه افتقد الحلول عندما أغلق المنافس المساحات، ولم ينجح في تغيير إيقاع المباراة أو استغلال دكة البدلاء بالشكل المطلوب.
لذلك، فإن نهاية حقبته تبدو منطقية بعد أكثر من عشر سنوات في قيادة المنتخب الفرنسي.
خامسًا… لماذا نجحت إسبانيا؟
ما يحدث مع إسبانيا ليس صدفة.
إنه مشروع بدأ بعد الإخفاق في مونديال 2022، ثم تُوج بالفوز بيورو 2024 ودوري الأمم الأوروبية 2025، وها هو يبلغ نهائي كأس العالم 2026.
دي لا فوينتي بنى منتخبًا لا يعتمد على نجم واحد، بل على منظومة متكاملة.
رودري يتحكم في الإيقاع، فابيان رويز يمنح التوازن، داني أولمو يربط الخطوط، أويارزابال يحسم الفرص، ولامين يامال يجذب الرقابة ويفتح المساحات.
أما دفاعيًا، فقد قدم بيدرو بورو ولوكورييا ولامبورت وكوبارسي مباراة كبيرة، فلم يمنحوا فرنسا أي فرصة حقيقية.
ولذلك استحق دي لا فوينتي أعلى تقييم في المباراة، إلى جانب داني أولمو وبيدرو بورو، بعد أن فرض المنتخب الإسباني سيطرة كاملة على اللقاء.
المختصر المفيد
إسبانيا لم تفز لأنها تمتلك أسماء أفضل، بل لأنها كانت الأفضل تنظيماً وتكتيكًا.
أما فرنسا، فقد خسرت لأنها لم تجد حلولًا عندما واجهت منتخبًا يعرف ماذا يريد.
تصريحات مبابي، وانتقادات صحيفة ليكيب، وتقييمات اللاعبين، كلها تؤكد أن المشكلة لم تكن في لاعب أو لقطة واحدة، بل في الأداء الجماعي والنهج الفني.
ويبقى السؤال الأهم…
هل يكفي رحيل ديدييه ديشامب لإعادة فرنسا إلى القمة؟ أم أن “الديوك” بحاجة إلى إعادة بناء فنية وتكتيكية شاملة تواكب تطور كرة القدم الحديثة؟



