“ألماني في غرفة الأزمات: سرُّ قولر الذي لم تعرفه جماهير الهلال”
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
“مشهد على الدكة”
مساء العشرين من فبراير عام 1973 اهتز استاد الهلال بأم درمان بجماهير جاءت ترى بيليه وسانتوس. وبين الأعلام والطبول والهتاف، كان على دكة البدلاء رجال لا تخطئهم العين: علي قاقارين وعز الدين الدحيش، وهما من نجوم المنتخب الذي رفع كأس الأمم الأفريقية قبل ثلاثة أعوام، وإلى جوارهما ديم الصغير وغيره من نجوم الفريق. جلس هؤلاء يتفرجون.
سأل الناس يومها همساً، وبقي السؤال معلقاً سنوات: من الذي اجترأ على إجلاس هؤلاء؟ ولماذا استُدعي مدرب ألماني كان الاتحاد السوداني قد تعاقد معه خبيراً للمنتخب القومي الأول وبقية المنتخبات الوطنية، ليقود الهلال في ليلة العمر؟ والجواب لا يسكن كتب التكتيك. إنه في معسكر مغلق اشتعل قبل المباراة بأيام.
“معسكر يضيق بنجومه”
حين نجح السيد عبد الله السماني، موفد المجلس إلى السعودية، في إقناع سانتوس بالحضور ووقّع العقد، دخل الهلال معسكراً مغلقاً تحضيراً لأعظم مباراة في تاريخه. وكان كشف الفريق يعجّ بالنجوم، فيضم أربعين لاعباً من الكبار. ثم جاء من لم يكن يُنتظر مجيئهم، فقد حمل بعض من اعتزلوا اللعب حقائبهم والتحقوا بالمعسكر أملاً في المشاركة، وفي مقدمتهم الحارس الأسطوري سبت دودو وأمين ذكي، كابتنا الهلال السابقان. وكان كل منهما يرى في هذه المباراة مباراة اعتزال تُكرَّم بها مسيرته.
وهكذا دار في كل رأس سؤال واحد: هل أكون في التشكيل الأساسي، أم على الدكة، أم خارج القائمة؟ فالجميع يريد أن يشارك في ليلة تُخلَّد فيها الأسماء، واشتعل المعسكر بالتنافس. ولم يكن في مقدور مدرب وطني أن يحسم قائمة بهذا الثقل. بل إن مجلس الإدارة نفسه لم يكن يجرؤ على أن يقول لسبت دودو وأمين ذكي إن مكانهما ليس في هذه المباراة.
“حيلة وُلدت من الحكمة”
وهنا ظهرت براعة الإدارة. فقد استعانت بقولر، لا عن رؤية فنية بحتة، ولا عن يقين بأنه قادر على هزيمة سانتوس، بل لتفادي صراعات كانت ستندلع داخل المعسكر بين لاعبين يتسابقون إلى مقعد واحد. فقولر ابن المدرسة الألمانية المعروفة بالصرامة والانضباط، لا يقبل تدخلاً إدارياً ولا ضغطاً من أي جهة في اختياراته. كان الحَكَم الذي يستطيع أن يقول «لا» لمن لا يجرؤ أحد على أن يقول لهم «لا».
وأرجّح أن الفكرة كانت لرئيس النادي أحمد عبد الرحمن الشيخ، فقد عُرف عنه رجاحة العقل ونفاذ الرؤية والهدوء وحسن التعامل مع الأزمات. أما السماني فعُرف برجل مصادم قوي الشخصية. وكأن الأدوار قد وُزّعت بحكمة: يذهب أحدهما إلى السعودية فيفاوض بقوة، ويبقى الآخر يدبّر الداخل بأناة.
“قولر يفرض كلمته”
نجحت الحيلة في أول الأمر. فقد جاء الألماني على عادة أبناء بلاده، حاسماً لا يقبل مساومة، فعاد الانضباط إلى المعسكر، ولم يجرؤ لاعب على أن يفرض اسمه عليه، وخمد التذمر قبل أن يستفحل. ثم اختار التشكيلة التي خاضت المباراة.
دفع قولر بمحمد عبد الفتاح زغبير حارساً للمرمى، وأمامه خط دفاع رباعي: الضب ظهيراً أيمن، وعبد الله موسى ظهيراً أيسر، وعوض كوكا و خضر الكوري في قلب الدفاع. وفي الوسط تولى شواطين مهمة الرقابة اللصيقة على بيليه، وإلى جواره عبده مصطفى. وعلى الجناحين الفاتح النقر يميناً ومحمد حسين كسلا يساراً. وفي مقدمة الهجوم جكسا قائد الفريق ومزمل دفع الله.
أما على الدكة فجلس علي قاقارين وعز الدين الدحيش وديم الصغير وشوقي عبد العزيز وفوزي المرضي وغيرهم. وحرم قولر سبت دودو وأمين ذكي من المشاركة، ولم يجرؤ أحد على الاعتراض على اختياراته.
“حدود سلطة المدرب”
غير أن سلطة المدرب، على صرامتها، بلغت حدّها عند الدكة. فقد حاول قولر أن يجري تغييرات في أثناء المباراة، لكن خلافات نشبت بين اللاعبين، واعترض بعض النجوم الكبار الجالسين على الدكة، فحال ذلك دون ما أراده. فلم يستبدل لاعباً، وأكملت التشكيلة الأساسية المباراة حتى صافرة النهاية.
وهذا ما لم تكشفه الجماهير ولا الصحف: لم يكن غياب التغييرات خياراً فنياً أصيلاً، بل ثمرة موازين لم يستطع حتى المدرب الألماني أن يغلبها. فالصرامة التي حسمت قائمة البداية لم تقدر على أن تنزع نجماً من مقعده حين غضب.
” الدكة التي شهدت للمدرب”
لم يكن مدرب وطني ليجرؤ على إجلاس قاقارين والدحيش وديم الصغير في تلك الليلة. لكن قولر فعلها، وأتت المباراة لتشهد له بحسن الاختيار. فقد قدمت التشكيلة التي اختارها أداءً مذهلاً قارعت به لاعبي سانتوس، وكلهم نجوم من أهل الصيت العالمي. ولمع في تلك الليلة محمد حسين كسلا وشواطين وعبده مصطفى، وكأن الألماني أراد أن يقول إن الاسم الكبير لا يكفي وحده لدخول ليلة كبيرة.
” ما لم تعلمه الجماهير”
لم تكن جماهير الهلال تعلم يومها شيئاً من هذه التفاصيل. رأت نجومها على الدكة وسألت، وظنّ بعضها أن القرار شطحة. وهو في الحقيقة ثمرة تدبير إدارة عرفت كيف تحمي فريقها من صراعاته الداخلية قبل أن تدفع به لمواجهة خصمه.
وهكذا لم يكن ما جرى في تلك الليلة أداءً مشرّفاً أمام بيليه وحده، بل كان أيضاً انتصاراً سبقه في الغرف المغلقة على فوضى كانت تتربص بمعسكر حيث أراد الجميع أن يلعبوا في تلك المباراة التاريخية، حتى وإن ظلّت هذه الفوضى تطلّ برأسها حين حاول المدرب أن يغيّر. فالحيلة في أصلها إدارية لا فنية، لكنها أثبتت أن حسن الاختيار في الملعب قد يبدأ أحياناً بحسن تدبير الأزمات خارجه.



