كتب: معاوية أبوالريش
لم أكن أتصوّر أن فقرة من كتاب “سيد البلد… سيرة الهلال من حوش الخليفة إلى الجوهرة الزرقاء”، وهو كتاب لا يزال تحت الطبع، ستثير كل هذا الجدل، بعدما نشرها مشكوراً الزميل العزيز الدكتور علي عصام على صفحته في “فيسبوك”. وقبل أي شيء آخر، أرى من واجب الوفاء أن أوجّه له شكري الخالص على نشر المادة، وعلى موقفه اللاحق منها، فقد راجعها بعد قراءة التعليقات، وخلص بكل موضوعية وإنصاف إلى أن ما أثير حولها من “هياج” لا يستند إلى مبرر حقيقي في نص المقال نفسه، رغم أنه صرّح في الوقت ذاته باختلافه معي من حيث المبدأ حول تحويل خصومة الهلال والمريخ إلى ساحة يُقاس فيها المنتخب الوطني. وهذا حق أصيل له، بل هو بالضبط ما ينبغي أن تكون عليه المساجلات الرياضية الراقية: اختلاف في الرأي مصحوب باحترام كامل لوجهة نظر الطرف الآخر.
“الفقرة في سياقها الحقيقي”
المادة المتداولة ليست تقريراً محايداً عن بطولة 1970 بمعزل عن أي سياق، بل هي فصل من كتاب يوثّق مسيرة نادي الهلال تحديداً. وحين يكتب مؤرخ لناديه، فمن الطبيعي والمتوقع أن يبرز مساهمة نجوم ذلك النادي في أي إنجاز وطني شارك فيه أبناؤه، تماماً كما يفعل أي كاتب يوثّق لمسيرة ناديه في أي بلد من العالم. هذا لا يعني، ولم يعنِ يوماً، إنكار أو تهميش مساهمة الآخرين.
وللتوضيح، فإن المقال لم يغفل أبداً ذكر نجوم الأندية الأخرى الذين صنعوا ذلك المجد رفقة إخوانهم من الهلال: فقد وردت فيه أسماء بشرى وهبة، وعبد العزيز عبد الله عبد الرحمن حارس المرمى، وعبد القادر سليمان الجزلي “أبو داؤد” من نادي المريخ، ونجم الدين حسن “نجمو” من نادي النيل، وحسب الرسول عمر “حسبو الصغير” هداف البطولة وصانع لحظتها التاريخية من نادي بري، ومحمد البشير أحمد بخيت “الأسيد” من نادي الأهلي مدني. هذه ليست إشارات عابرة، بل أسماء وردت بتفصيل مقصود، احتراماً لحقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها: أن ذلك الإنجاز كان وطنياً خالصاً، صنعته سواعد من كل الأندية السودانية دون استثناء.
“نصف التشكيلة… حقيقة رقمية لا اتهام”
أما القول بأن نصف التشكيلة تقريباً كان من نجوم الهلال، فهذه ملاحظة إحصائية لا تحمل أي تجنٍ، إذ شارك في معظم مباريات تلك البطولة ما بين أربعة وستة لاعبين من الهلال. ولو أن كاتباً مريخياً أورد الملاحظة ذاتها بأن نصف التشكيلة تقريباً كان من نجوم المريخ، لما وجدنا في ذلك ما يستحق الاعتراض، فالأرقام لا تُصادَر، والحقائق التاريخية لا تخضع للمزاج.
وهذا المنطق نفسه ليس غريباً عن الإعلام المريخي، الذي احتفى في مناسبة أخرى مختلفة تماماً بفضل لاعبه فيصل عجب في تأهل المنتخب الوطني لنهائيات كأس الأمم الأفريقية 2012 التي أقيمت في غانا، رغم أن الأمر لا علاقة له بجيل 1970 موضوع هذا الفصل. وهذا مثال آخر، من زمن مختلف، يؤكد المعنى ذاته: أن اعتزاز كل نادٍ بأبنائه حين يخدمون المنتخب الوطني تقليد راسخ لدى جماهير الكرة السودانية جميعاً، لا حكراً على طرف دون آخر.
“دعوة إلى فصل خصومة الأندية عن مجد الوطن”
أختلف من حيث المبدأ، وقد عبّرت عن هذا الاختلاف صراحة، مع أي محاولة لتحويل التنافس المشروع والجميل بين الهلال والمريخ إلى معركة حول من “يملك” مجد المنتخب الوطني. فتلك النجمة الوحيدة المرسومة على القميص الوطني ليست ملكاً لنادٍ بعينه، بل هي ملك لكل سوداني، هلالياً كان أو مريخياً أو من أي انتماء آخر. وحين يوثّق كاتب لنادٍ معين مساهمة نجومه، فذلك توثيق لا مصادرة، وتفصيل لا تعميم، وإنصاف لا انحياز، طالما لم يُغفل حق الآخرين، وهو ما حرصت عليه بدقة في هذا الفصل تحديداً.
“كلمة أخيرة”
أكرر شكري للدكتور علي عصام على سعة صدره ونشره المادة، وعلى موضوعيته في تقييمها لاحقاً رغم اختلافه معي في زاوية النظر. وأدعو كل الجماهير السودانية، على اختلاف انتماءاتها، إلى أن تتعامل مع تاريخنا الكروي المشترك بالروح ذاتها التي صنعت ذلك الإنجاز عام 1970: روح توحّدت فيها كل ألوان الكرة السودانية خلف علم واحد ونجمة واحدة، ولم تفرقها يوماً ألوان الأقمصة لكل الأندية.




